فصل: باب الاستبراء

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: شرح السير الكبير **


  باب من إسلام الصبي والصبية المأسورين

قال - رضي الله تعالى عنه -‏:‏ قد بينا أن الصبي يتبع خير الأبوين ديناً فإذا سبي ومعه أحد أبويه لم يحكم له بالإسلام حتى يصف الإسلام بنفسه أو يسلم من معه من الأبوين وإن سبي وليس معه أحد الأبوين فإنه لا يحكم بإسلامه أيضاً حتى يخرج إلى دار الإسلام فيصير مسلماً تبعاً للدار أو يقسم الإمام الغنائم أو يبيعها في دار الحرب فيصير مسلماً حينئذ أما إذا كان من وقع في سهمه أو اشتراه مسلم فلا إشكال فيه لأن تأثير التبعية للمالك فوق تأثير التبعية للدار وأما إذا كان المشتري ذمياً أو كان أعطاه الذمي بطريق الرضخ من الغنيمة فكذلك الجواب في أنه يكون محكوماً بإسلامه حتى إذا مات يصلى عليه ويجبر الذمي على بيعه لأنه صار محرزاً بقوة المسلمين فالذمي إنما يملكه في هذا الموضع بإحراز المسلمين إياه فصار تمام الإحراز بالقسمة والبيع نظير تمام الإحراز بالإخراج إلى دار الإسلام ولو سبي معه أبواه فماتا ثم أخرج إلى دار الإسلام وليس معه أحد أبويه فهو مسلم لأن أبويه حين مات في دار الحرب فقد خرج هو من أن يكون تبعاً لهما بمنزلة ما لو بقيا في دار الحرب وإنما حصل هو وحده في دار الإسلام بخلاف ما إذا خرج إلى دار الإسلام أو قسم أو بيع ثم مات من معه من الأبوين فإنه لا يحكم بإسلامه حتى يصف الإسلام بنفسه لأن أوان الحكم بإسلامه وقت الإحراز فوجود أحد الأبوين معه في ذلك الوقت منه الحكم بإسلامه ثم بموته بعد ذلك لا يتغير هذا الحكم بمنزلة ولد الذمي إذا مات أبواه وبقي وحده صغيراً في دار الإسلام فإنه لا يحكم بإسلامه قال‏:‏ ولو أن ذمياً دخل دار الحرب متلصصاً فأخرج صغيراً إلى دار الإسلام فهو مسلم يجبر الذمي على بيعه لأنه إنما ملكه بالإحراز بدار الإسلام فيكون محكوماً بإسلامه بمنزلة المنفل فإن الأمير لو قال في دار الحرب‏:‏ من أصاب رأساً فهو له فأصاب الذمي صغيراً ليس معه أحد أبويه فإنه يكون مسلماً لأنه إنما ملكه باعتبار منعة المسلمين وإنما صار محرزاً بذلك بخلاف ما إذا دخل الذمي دار الحرب بأمان واشترى صغيراً من مماليكهم فإنه لا يكون مسلماً وإن قبضة الذمي لأنه يملكه بالنقد هاهنا لا باعتبار منعة المسلمين فإن أخرجه إلى دار الإسلام لم يكن مسلماً أيضاً لأنه لم يصر محرزاً له بمنعة المسلمين ولا بحكمهم وهذا بخلاف ما إذا كان المشتري مسلماً فدخل إليهم بأمان أو كان أسيراً فيهم أو كان رجلاً أسلم منهم فإنه إذا أخرجه إلى دار الإسلام وحده كان مسلماً بإسلامه وتبعية المالك إنما تظهر في هذا الفصل فإذا كان المالك مسلماً كان المملوك مثله تبعاً له وإذا كان المالك ذميّاً كان المملوك مثله تبعاً له فإذا خرج معه أبواه أو أحدهما عبداً لمولاه أو حراً معاهداً فالصبي على دين أبيه لأنه ما حصل في دارنا إلا مع أب هو من أهل دارنا وتبعية الأبوين في الدين هي الأصل فلا تظهر تبعية المالك إلا عند عدم تبعية الأبوين فإن كان خرج معه أحد الأبوين بأمان فالصبي مسلم لأن المستأمن من أهل دار الحرب وإن كان في دارنا صورة فلا يعتد بخروجه معه والصغير هو المختص بأنه صار هو من أهل دار الإسلام فيحكم بإسلامه تبعاً للمالك فإن بدا للمستأمن فصار ذمياً بعد ذلك كان الصبي مسلماً لأنه صار محكوماً بإسلامه كما إذا أخرجه المالك المسلم فلا يتغير ذلك بمنزلة ما لو أسر وأخرج إلى دار الإسلام ثم أسر أبواه بعد ذلك فإن كان الذمي الذي اشتراه فأخرجه من أهل الكتاب والصبي كان من المجوس أو عبدة الأوثان فهو بمنزلة أهل الكتاب تؤكل ذبيحته ويحل وطؤها إن كانت جارية بمنزلة ما لو كان أحد أبويه كتابيّاً والآخر مجوسيّاً وهذا لأن تبعية المالك بمنزلة تبعية الأبوين وكما أنه إذا كان أحد أبويه كتابيّاً كان هو تبعاً له فكذلك إذا كان مالكه الذي أخرجه كتابيّاً وإن كان الصغير في الأصل كتابيّاً والذي أخرجه مجوسي فكذلك الجواب لأنه قد جرى الحكم بكونه كتابياً باعتبار الأصل فلا يتحول عن ذلك باعتبار تبعية المالك ألا ترى أنه لو كان مسلماً مملوكاً فاشتراه المجوسي لم يخرج به من أن يكون مسلماً فكذلك إذ كان كتابيّاً فإن كان القوم من أهل الحرب مماليك فأسلم أهل الدار جميعاً غير مماليكهم فمن كان صغيراً من مماليكهم فهو مسلم إن لم يكن معه أحد أبويه كافراً لحصوله في دار الإسلام ولكون مولاه مسلماً وأحد هذين المعنيين يكفي للحكم بإسلامه فإن صاروا ذمة فرقيقهم كفار على دينهم الصغار والكبار في ذلك سواء لأن مماليكهم كفار قد صالحوا المسلمين وإنما صارت دارهم دار الإسلام بطريق الصلح لا بإسلام أهلها وذلك لا يوجب الحكم بإسلام المملوك بمنزلة الذمي يشتري صغيراً في دار الحرب ويخرجه إلى دار الإسلام وكذلك لو دخل حربي إلينا بأمان ومعه عبد صغير فهو على دينه يرده إلى دار الحرب إن شاء لأنه حصل في دارنا بطريق المراضاة فيكون حكمه حكم مولاه ومولاه من أهل دار الحرب فإن أسلم مولاه في دار الإسلام أو باعه من مسلم أو مات مولاه فباعه الإمام فأوقف ثمنه لورثته فهو كافر على دين أبويه لأنه حصل في دارنا كافراً بأمان فلا يصير مسلماً بعد ذلك ما لم يصف الإسلام بمنزلة الذمي يموت في دارنا وله ولد صغير فإن سبي أحد أبوي وأسلم كن الصغير مسلماً بإسلامه لأن إسلام أحد الأبوين في حقه كإسلامه بنفسه إذا كن يعقل فلهذا حكم بإسلامه بذلك فإن سبي الصغير مع أبيه ثم أخرج الصغير قبل أبيه إلى دار الإسلام فإنه لا يحكم بإسلامه لأنه أخرج إلى دارنا وأبوه في يد المسلم وفي منعتهم فكونه في يد المسلم ككونه في دار الإسلام معه فيكون الصبي تبعاً له‏.‏

ألا ترى أن في حق المراغم والمهاجرة جعل منعة الجيش في دار الحرب كمنعة الدار فكذلك في حكم التبعية فإن قتل أبوه - أو هرب قبل الإخراج إلى دار الإسلام - لم يكن مسلماً أيضاً لأنه حصل في دار الإسلام كافراً فلا يتحول مسلماً بعد ذلك ما لم يصف الإسلام أو يسلم أحد أبويه فيكون مسلماً تبعاً له فإن أسلم المستأمن في دارنا وولده الصغير في دار الحرب ثم أسره المسلمون فأخرجوه أو لم يخرجوه كان الذمي مسلماً تبعاً لأبيه المسلم عندنا أما إذا كان الأب مع العسكر فغير مشكل وأما إذا كان في دار الإسلام فقد بينا أن منعة الجيش كمنعة الدار في حكم التبعية فكان حصول الاتباع في منعة الجيش كحصوله في دار الإسلام وكذلك إن كان الأب في دار حرب أخرى دخلها تاجراً لأن المسلم من أهل دار الإسلام حيثما يكون فيصير الصبي مسلماً تبعاً وإن كان هو في دار الحرب صورة ولو مات أبوه مسلماً في دار الإسلام ثم أسر هو فإنه لا يكون مسلماً ما دام في دار الحرب حتى يقسم أو يباع أو يخرج إلى دار الإسلام لأن الأب ميت في دارنا وتبعية الميت لا تعتبر في ابتداء الإسلام وإن كان معتبراً في البقاء‏.‏

ألا ترى أن الأم لو سبيت معه لم يحكم بإسلامه فكذلك إذا سبي وحده قلنا‏:‏ لا يحكم بإسلامه ما دام في دار الحرب وإن سبيت الأم معه والأب حر مسلم فينا كان الصغير مسلماً تبعاً لأبيه ولو دخل الحربي إلينا بأمان ثم صار ذمياً أو سباه المسلمون كافراً فأعتقوه وهو كافر على حاله أو لم يعتقوه ثم سبوا ولده الصغير فأخرجوه إلى دار الإسلام لم يكن مسلماً لأن أباه كافر في دار الإسلام والصغير ما حصل في دارنا إلا ومعه أب كافر يجري عليه حكم المسلمين فيكون تبعاً له في الدين فإن مات الأب كافراً قبل أن يسبى الصغير والمسألة بحالها كان مسلماً إذا خرج إلى دار الإسلام لأن الأب الميت لما يعتبر في الحكم بإسلامه ابتداء تبعاً له فلأن لا يعتبر في المنع من الحكم بإسلامه إذا خرج إلى دار الإسلام كان أولى قال‏:‏ ولو أن عسكراً من أهل الحرب لهم منعة دخلوا دار الإسلام ومعهم صبيان لهم فظفر بهم المسلمون وأسروا صبيانهم فهم مسلمون كما أخذوا إذا لم يؤسر معهم آباؤهم ولا أمهاتهم لأن بنفس الأخذ صاروا محرزين بدار الإسلام فإن أسر الآباء والأمهات بعد ذلك بساعة كان الأولاد مسلمين لأنه حكم بإسلامهم كما أخذوا قبل الآباء فلا يتغير ذلك الحكم بسبي الآباء والأمهات بعد ذلك بخلاف ما إذا كانت هذه الحادثة في دار الحرب فهناك بنفس الأخذ لم يصر الصغير مسلماً قبل الإخراج فإذا أسر أبوه بعد ذلك بيوم أو أكثر فأخرجا معاً كان هذا وما لو أسرا معاً سواء فأما إذا كان القتال في دار الإسلام فإن أسرا معاً أو أسر الأب ثم الصغير فكذلك الجواب لأنه ما ثبتت يدنا عليه إلا مع أب كافر فإذا أسر الصبي أولاً فقد صار محكوماً بإسلامه ثم لا يتغير ذلك الحكم وإن أسر الأب بعده بساعة وكذلك لو دخل الصبي وحده دارنا بغير أمان فأخذه مسلم فهو مسلم حين أخذ فأما على قياس قول أبي حنيفة - رضي الله تعالى عنه - فهو فيء لجماعة المسلمين وأما عند محمد - رحمة الله عليه - هو فيء للآخذ ولا يكون حراً بإسلامه لأنه إنما صار مسلماً بعدما أخذ وإنما يتأكد بالإسلام حرية من كان مسلماً قبل أن يؤسر فأما من يصير مسلماً بعد الأسر فإنه يكون قناً والله تعالى الموفق‏.‏

  باب الاستبراء

قد بينا في المبسوط أن سبي أحد الزوجين موجب للفرقة لا لعينه بل لتباين الدارين حقيقة أو حكماً بين الزوجين ولهذا لم تقع الفرقة إذا سبيا معاً فنقول إذا سبيت المرأة وأخرجت إلى دار الإسلام فلمن وقعت في سهمه أن يطأها بعدما يستبرئها بحيضة إن لم تكن حاملاً وبوضع الحمل إن كانت حاملاً واستدل على ذلك في الكتاب بآثار رواها بالإسناد فإن حاضت المسبية في دار الحرب حيضة أو أكثر منها ثم سبي زوجها فأخرجا إلى دار الإسلام فهما على تزوجهما لانعدام السبب الموجب للفرقة وهو تباين الدارين وإن أخرجت وحدها فوقعت في سهم رجل فليس له أن يجتزئ بتلك الحيضة من الاستبراء وكذلك إن كانت حاضت في دار الإسلام حيضة قبل القسمة أو بعد القسمة بن العرفاء قبل القسمة بين الأشخاص لأنها وجت قبل وقوع الملك في المحل لمن وقعت في سهمه وكذلك لو وقعت في سهم رجل فلم يقبضها حتى حاضت حيضة لأن الملك للغازي في الغنيمة إنما يثبت بطريق الصلة وهذا النوع من الملك لا يتم إلا بالقبض وإن ثبت له ملك العين بالقسمة فملك التصرف لا يثبت إلا بالقبض والوطء تصرف وإنما يجتزئ بالحيضة من الاستبراء بعد ملك الوطء ولهذا قلنا‏:‏ إذا حاضت المبيعة في يد البائع فليس للمشتري أن يجتزئ بتلك الحيضة من الاستبراء فإن كانت المسبية حاملاً فوضعت حملها بعدما قبضها ووقعت في سهمه فلا بأس بأن يطأها بعدما طهرت من نفاسها ولا بأس بأن يقبلها ويستمتع بها بما فوق الإزار في مدة نفاسها ولو كانت وضعت حملها قبل القبض ثم قبضها فليس له أن يستمتع بها فوق الإزار في مدة النفاس ولا بعدها حتى تحيض حيضة مستقبلة لأنها صارت مستبرأة بوضع الحمل بعد القبض فحرمة الغشيان بعد ذلك في مدة النفاس لمعنى الأذى فكان حالها كحال المنكوحة إذا كانت حائضاً في الاستمتاع بها فأما إذا وضعت قبل القبض ثم قبضها فعليه أن يستبرئها بحيضة مستقبلة وهي في مدة النفاس هاهنا غير مستبرأة في يده وفي مدة الاستبراء كما يحرم الغشيان يحرم اللمس والتقبيل بشهوة فإن أسلمت المسبية قبل الإخراج إلى دار الإسلام وزوجها كافر في دار الحرب فقد بانت منه لأنها محرزة بمنعة الجيش والإحراز بمنعة الجيش في حق المسلمة كالإحراز بمنعة الدار‏.‏

ألا ترى أن المهاجرة إذا أحرزت نفسها بمنعة الجيش بانت من زوجها فكذلك المسبية ثم لا عدة عليها هاهنا بالاتفاق وقد بينا الخلاف في المهاجرة فإن قسم الإمام الغنائم في دار الحرب فوقعت في سهم رجل أو باعها وسلمها إلى المشتري فاستبرأها بحيضة كان له أن يطأها بعد ذلك لأنه لم يبق بينها وبين الزوج النكاح ولاحقه فكان حالها كحال ما لو لم تكن ذات زوج سبيت سواء وبالقسمة في دار الحرب أو البيع يتغير الملك كما يتغير الملك بالقسمة في دار الإسلام‏.‏

ألا ترى أنه لو لحقهم مدد بعد ذلك لم يكن لهم شركة مع الجيش في المصاب ولا في الثمن إن كان الإمام باع الغنائم ولو أن الإمام نفل قوماً في دار الحرب فقال‏:‏ من أصاب جارية فهي له رجل منهم جارية واستبرأها بحيضة وهو في دار الحرب فعلى قول أبي حنيفة - رضي الله تعالى عنه - ليس له أن يطأها حتى يخرجها إلى دار الإسلام وهو قول أبي يوسف - رحمة الله عليه - وعلى قول محمد - رحمة الله عليه - له أن يطأها لأنه اختص بملكها على وجه لا شركة لأحد فيها فكانت هذه والتي اشتراها أو وقعت في سهمه بالقسمة سواء وأبو حنيفة وأبو يوسف - رضي الله تعالى عنهما - قالا‏:‏ الملك في المنفل إنما يثبت للمنفل له بالأخذ فلا يتم هذا الملك قبل الإحراز بدار الإسلام بمنزلة الذي يثبت للمتلصص في دار الحرب بخلاف الملك الذي يثبت بالقسمة والشراء والذي يوضح الفرق أن بعد القسمة والبيع لا يبقى لهم حق التناول من الطعام والعلف من غير ضرورة وبعد التنفيل يبقى ذلك الحق فإن أسر زوجها بعدما أخذها المنفل له فلا نكاح بينه وبينها قيل هذا قول محمد - رحمة الله عليه - فأما على قياس قول أبي حنيفة - رضي الله عنه - ينبغي ألا ينقطع النكاح هاهنا بمجرد الأخذ قبل الإحراز بدار الإسلام والأصح أنه قولهم جميعاً فإن أصل الملك يثبت للمنفل له بالأخذ وإن كان لا يتأكد قبل الإحراز بدار الإسلام وبثبوت أصل الملك للمسلم فيها يصير من أهل دار الإسلام فتقع الفرقة بينهما وبين زوجها‏.‏

ألا ترى أنها لو كانت صغيرة فإنه يحكم بإسلامها حين صارت للمنفل له بمنزلة ما لو أخرجت إلى دار الإسلام وكذا إن استبرأها المنفل له بحيضة ثم أخرجها إلى دار الإسلام كان له أن يجترىء بتلك الحيضة من الاستبراء بخلاف المتلصص وهذا لأن الملك للمتلصص لا يثبت قبل الإحراز‏.‏

ألا ترى أنه إذا لحقه مدد شاركوه في المصاب والملك للمنفل له يثبت بالإصابة حتى لا يشركه المدد في ذلك وهذا لأن التنفيل من الإمام في معنى القسمة ولكنها قسمة قبل الإصابة جعلها الإمام في معنى الوقوف على الإصابة فباعتبار معنى القسمة أثبتنا هذا الحكم في المنفل وفرقنا بينه وبين المتلصص وباعتبار أن سبب الملك هو الأخذ احتاط أبو حنيفة - رضي الله تعالى عنه - في الوطء فقال‏:‏ ليس له أن يطأها حتى يخرجها إلى دار الإسلام وكم من حكم متردد بين أصلين متوفر حظه عليهما والله تعالى الموفق‏.‏

  باب ما يباع من السبي من أهل الذمة

وإذا سبي المسلمون السبي فاقتسموه وأخرجوه إلى دار الإسلام فلا بأس بيع الرقيق من أهل الذمة لأنهم مشركون وإن صاروا من أهل دارنا بالإحراز فكانوا بمنزلة أهل الذمة فلا بأس ببيع العبد الذمي من أهل الذمة إلا في فصل واحد وهو إن سبي صغيراً ليس معه واحد من أبويه فهذا لا ينبغي أن يباع من أهل الذمة لأنه صار مسلماً بالإخراج إلى دار الإسلام أو القسمة في دار الحرب باعتبار أن الإحراز فيه يتم بالقسمة كما يتم بالإخراج ولهذا لو مات يصلى عليه ولو كانت كتابية فاشتراها من وقعت في سهمه كان له أن يطأها وإذا ظهر أنها محكومة بإسلامها قلنا‏:‏ لا يحل للمسلم أن يبيعها من أهل الذمة وإن كان لو باعها نفذ البيع فإن كان سبي معها أحد أبويها فلا بأس ببيعها من أهل الذمة لأنه لم يحكم بإسلامها هاهنا ويستوي إن وقع كل واحد منهما في سهم رجل أو وقعا في سهم رجل واحد لأن الصغيرة ما حصلت في دارنا إلا ومعها أب هو من أهل دارنا وذلك يمنع الحكم بإسلامها ولا ينبغي أن يباع شيء من السبي من المستأمن في دار الإسلام لأنه صار من أهل دارنا والمستأمن في دارنا يمنع من شراء مملوك هو من أهل دارنا ويجبر على بيعه إذا اشتراه للأصل الذي بينا أن الذمي في حق المستأمن بمنزلة المسلم في حق الذمي في حق أحكام الدنيا فإن اشترى المستأمن أمة ذمية فدبرها أو استولدها نفذ ذلك منه لمصادفته ملكه ولكنه يمنع من وطئها واستخدامها وتخرج إلى الحرية عن ملكه بطريق الاستسعاء في قيمتها وقد بينا هذا الحكم في حق الذمي إذا دبر أمته المسلمة أو استولدها فكذلك الحكم في المستأمن إذا فعل ذلك بأمته الذمية وإذا سبيت المرأة من أهل الكتاب مع أولادها فوقعوا في سهم رجل ثم أسلم بعض ولدها وهو صغير فليس له أن يبيعهم من كافر لأنه إن باعهم جميعاً فقد باع المملوك المسلم من الكافر وذلك لا يحل وإن باع بعضهم فقد فرق بين الوالدة وولدها الصغير بعدما اجتمعا في ملكه وذلك لا يحل ولو أن ذمياً أو حربيّاً مستأمناً اشترى أمة مرتدة جاز الشراء وأجبر على بيعها صغيرة كانت أو كبيرة لأن المرتدة تجبر على العود إلى الإسلام فكان حكمها حكم المسلمة ولا يترك الأمة المسلمة في ملك الكفار صغيرة كانت أو كبيرة فكذلك المرتدة قال‏:‏ ألا ترى أنها لو ارتدت إلى اليهودية أو النصرانية لا تؤكل ذبيحتها ولا يجوز مناكحتها ومعنى هذا الاستشهاد أنه لما لم يجعل حالها كحال يهودية الأصل عرفنا أنه لا يعتبر ما اعتقدت في حقها فيما يرجع إلى الأحكام لكونها مجبرة على ترك ذلك والرجوع إلى الإسلام فلهذا كانت كالمسلمة في أنه يجبر الكافر على بيعها من المسلم وإذا سببت المرأة مع أولادها الصغار فأسلم بعض أولادها ثم باعهم من كافر جاز البيع وأجبر الذي اشتراهم على بيعهم جميعاً إن كان حربياً لأن بعضهم مسلم وبعضهم ذمي والمستأمن يجبر على بيع الفريقين وكان ممنوعاً من التفريق بينهم في البيع حتى كان يجبر على بيعهم جميعاً فأما الذمي إنما يجبر على بيع المسلم منهم خاصة لأنه متمكن من استدامة الملك في المملوك الذمي وهو غير مخاطب بالامتناع من التفريق في البيع ولو كان مخاطباً لكان له أن يبيع هاهنا المسلم منهم وحده لأن هذا تفريق لحق فقد صار إزالة المسلم عن ملكه مستحقاً خاصة والتفريق متى كان لحق لم يكن ممنوعاً عنه ألا ترى أن الولد مع الوالدة إذا اجتمعا في ملك رجل مسلم ثم لحق أحدهما دين فلا بأس بأن يباع فيه دون الآخر ولو جنى أحدهما جناية فلا بأس بأن يدفع بالجناية وحده فعرفنا أن التفريق إذا كان لحق لم يكن ممنوعاً عنه ثم ذكر في فروع إسلام الصبي فقال‏:‏ إن وصف رجل من المسلمين لغلام كافر الإسلام فقال الغلام‏:‏ أنا على هذا فإن علمنا يقيناً أنه قد فهم ما قيل له فهو مسلم وكذلك إن كان أكبر الرأي أنه قد فهم ذلك وإن علمنا يقيناً أنه لم يفهم ذلك أو كان أكبر الرأي أنه لم يفهم ذلك فإنه لا يكون مسلماً ولكن يقال له‏:‏ صف الإسلام فإذا وصفه فهو مسلم وما ذكر هاهنا يؤيد ما ذكرنا من قول المشايخ أن من تزوج امرأة أو اشترى جارية فاستوصفها الإسلام ولم تقدر على ذلك ووصف هو الإسلام بين يديها فقالت‏:‏ أنا على هذا فإنه يجوز له أن يطأها إذا علم أنها فهمت ما قال لها لأن الحياء قد يمنعها من البيان وإن كانت تقدر على أن تصف الإسلام وتعتقد ذلك فلا فرق بين أن يصف هو بين يديها إذا قالت‏:‏ أنا على هذا وبين أن تكونت هي التي وصفت بين

  باب خروج العبد بأمان من دار الحرب وخروجه مسلماً أو ذمياً

قال - رضي الله تعالى عنه -‏:‏ أيما عبد خرج إلى دار الإسلام مسلماً أو ذمياً مراغماً لمولاه فهو حر ويوالي من شاء لأنه صار محرزاً نفسه على مولاه ولو أحرز مالاً من مال مولاه بدار الإسلام ملكه فإذا أحرز نفسه كان مالكاً لنفسه أيضاً ولا يبقى للإنسان الملك على نفسه فيعتق لهذا وتبين بهذا الفصل أنه لم يعتق على ملك غيره وإنما يثبت الولاء على المعتق لمن يكون عتقه على ملك غيره فلهذا لا يثبت عليه الولاء هاهنا لأحد ثم يكون حاله في الميراث والجناية كحال حربي جاء مسلماً واستدل عليه بحديث عكرمة - رضي الله تعالى عنه - قال‏:‏ كان السعيد إذا جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلّم وليس معه سيده عتق وبحديث طاوس قال‏:‏ كان في كتاب معاذ ابن جبل - رضي الله تعالى عنه - أيما عبد نزع إلى المسلمين - أراه قال‏:‏ مسلماً - فهو حر وأيما عبد خرج إلى مخلاف عشيرته فإن عشره وصدقته في عشيرته وفي رواية‏:‏ أيما عبد خرج إلى غير مخلاف عشريته فعشره وصدقته إلى مخلاف عشيرته فالمخلاف محلة من رستاق يشتمل على عدد من القرى وغيره وروي عن عكرمة - رضي الله تعالى عنه - أن عبداً أسلم فلما هاجر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خشي أن يتبع رسول الله صلى الله عليه وسلّم فأخذوه وقيدوه فبعث إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم وقال‏:‏ ‏"‏ إنك قد علمت إسلامي فاشترني أو خلصني فبعث إليه سبعة نفر على بعير وقال خذوه ولعلكم تجدون في الدار من يعينكم عليه ‏"‏ وفي هذا دليل على أنه لا بأس لقوم لا منعة لهم من المسلمين أن يدخلوا دار الحرب بغير أمان لمثل هذا المقصود وأن هذا لا يكون منهم إلقاء النفس في التهلكة فإن ذلك إنما يكون عند التيقن بالهلاك في موضع لا ينكي فعلهم في العدو فأما إذا كان فعلهم ينكي في العدو فلا بأس بمثل هذا الصنع وذكر‏:‏ عن عبد الله بن أبي بكر - رضي الله تعالى عنهما - قال‏:‏ كان عبد أسود في غنم لسيده فلما رأى أهل خيبر يتحصنون سألهم فقالوا‏:‏ نقاتل هذا الرجل الذي يزعم أنه نبي فوقعت تلك الكلمة في نفسه وأقبل بغنمه حتى جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم‏:‏ ‏"‏ أدعو إلى الإسلام أن تشهد ألا إله إلا الله وأني رسول الله وألا تعبد إلا الله ‏"‏ قال‏:‏ فماذا لي إن شهدت بهذا فقال‏:‏ ‏"‏ لك الجنة إن مت على ذلك ‏"‏ فأسلم العبد مكانه الحديث إلى آخره وإنما أورده لبيان أنه لا فرق بين أن يسلم العبد بعد أن يأتي المعسكر وبين أن يأتي المعسكر مسلماً في أنه يحكم بحريته في الوجهين ثم استدل بحديث العبيد الذين نزلوا من حصن الطائف فأسلموا فقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم فيهم أولئك عتقاء الله وأورد حديث عكرمة‏:‏ أن النبي صلى الله عليه وآله وسلّم كان يقول‏:‏ إذا خرج الرجل قبل ماله ثم تبعه ماله فهو له وإذا خرج ماله قبله فهو حر وبهبذا نأخذ فالمراد بالمال العبد هاهنا فإذا خرج العبد أولاً مراغماً لمولاه كان حراً وإن خرج مولاه بعده وإن خرج المولى أولاً ثم جاء العبد فإنما جاء مظهراً لموافقة سيده محرزاً لنفسه لا عليه فكان مملوكاً له والله أعلم‏.‏